فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
إن جهنم كانت مرصادا ( 21 ) إذا رجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ، فكانت هباء منبثا ) . ( والحالة الرابعة ) أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله ( فقل ينسفها رب نسفا ) . ( والحالة الخامسة ) أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي بالحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها ( صيرها ) مندكة متفتتة ، وهي قوله ( تمر مر السحاب ) ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره ، فقال ( ويوم نسير الجبال ، وترى الأرض بارزة ) . ( الحالة السادسة ) أن تصير سرابا ، بمعنى لا شئ ، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا ، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا والله أعلم . واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي : أحوال عامة ، ومن ههنا يصف أهوال جهنم وأحوالها . فأولها قوله تعالى ( إن جهنم كانت مرصادا ) وفيه مسائل : ( المسألة الأولى ) قرأ ابن يعمر : أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء . ( المسألة الثانية ) كانت مرصادا ، أي في علم الله تعالى ، وقيل صارت ، هذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى ، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي ، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب ، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة لمقدمهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم . ( المسألة الثالثة ) في المرصاد قولان ( أحدهما ) أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان ( أحدهما ) أن خزنة جهنم يرصدون الكفار ( والثاني ) أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم ، لقوله ( وإن منكم إلا واردها ) فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . ( القول الثاني ) أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك يكثر منه ، والمفعال من أبنية المبالغة كالمعطار المعمار والمطعنان ، قيل إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم ، كما قال تعالى ( تكاد تميز نم الغيظ ) قيل ترصد كل كافر ، ومنافق ، والقائلون بالقول الأول . استدلوا على صحة قولهم بقوله تعالى ( إن ربك لبالمرصاد ) ولو كان المرصاد نعتا لوجب أن يقال : إن ربك لمرصاد .